أحمد بن محمد القسطلاني
122
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
يطرق الرجل أهله ليلًا يتخوّنهم أو يطلب عثراتهم ، رواه مسلم ، لكن اختلف في هذه الزيادة هل هي مدرجة ؟ ومن ثم اقتصر البخاري على القدر المتفق على رفعه وساق الباقي في الترجمة ، وقد أخرجه بهذه الزيادة النسائي من رواية أبي نعيم عن سفيان ، ومسلم من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به ، لكنه قال في آخره قال سفيان : لا أدري هذا في الحديث أم لا . والمعنى أنه إذا طرقهم ليلًا وهو وقت خلوة وانقطاع مراقبة الناس بعضهم لبعض كان ذلك سببًا لسوء ظن أهله به ، وكأنه إنما قصدهم ليلًا ليجدهم على ريبة حتى توخى وقت غرتهم وغفلتهم ، وعند أحمد والترمذي من طريق أخرى عن الشعبي عن جابر : لا تلجوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، وعند أبي عوانة في صحيحه من حديث محارب عن جابر أن عبد الله بن رواحة أتى امرأته ليلًا وعندها امرأة تمشطها فظنها رجلًا فأشار إليها بالسيف ، فلما ذكر ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا . وأخرج ابن خزيمة عن ابن عمر قال : نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يطرق النساء ليلًا فطرق رجلان كلاهما وجد مع امرأته ما يكره ، وأخرج من حديث ابن عباس نحوه وقال فيه : فكلاهما وجد مع امرأته رجلًا . وفي الحديث فوائد لا تخفى على متأمل ، وأخرجه المؤلّف أيضًا ومسلم وأبو داود في الجهاد والنساني في عِشرة النساء . 121 - باب طَلَبِ الْوَلَدِ ( باب طلب ) الرجل ( الولد ) بالاستكثار من الجماع لقصد ذلك لا الاقتصار على اللذة . 5245 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ سَيَّارٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةٍ ، فَلَمَّا قَفَلْنَا تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ قَطُوفٍ ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « مَا يُعْجِلُكَ » ؟ قُلْتُ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ قَالَ : « فَبِكْرًا تَزَوَّجْتَ أَمْ ثَيِّبًا » ؟ قُلْتُ : بَلْ ثَيِّبًا قَالَ : « فَهَلاَّ جَارِيَةً تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ » . قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ : « أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا . أَيْ عِشَاءً . لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ » . وَحَدَّثَنِي الثِّقَةُ أَنَّهُ قَالَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَيْسَ الْكَيْسَ يَا جَابِرُ يَعْنِي الْوَلَدَ . وبه قال : ( حدّثنا مسدد ) هو ابن مسرهد ( عن هشيم ) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة ابن بشير الواسطي البلخي الأصل ( عن سيار ) بفتح السين المهملة وتشديد التحتية وبعد الألف راء ابن وردان أبي الحكم العنزي الواسطي ( عن الشعبي ) عامر بن شراحيل ( عن جابر ) رضي الله عنه أنه ( قال : كنت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزوة ) هي غزوة تبوك ( فلما قفلنا ) رجعنا ( تعجلت على بعير ) لي ( قطوف ) أي بطيء ( فلحقني راكب من خلفي ) زاد في الباب اللاحق فنخس بعيري بعنزة كانت معه فسار بعيري كأحسن ما أنت راءٍ من الإبل ( فالتفت فإذا أنا برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) لي : ( ما يعجلك ) ؟ أي ما سبب إسراعك ( قلت : إني حديث عهد بعرس ) أي قريب بناء بامرأة ( قال ) عليه الصلاة والسلام : ( فبكرًا تزوجت ) بنصب فبكرًا بتزوجت ( أم ) تزوجت ( ثيبًا ؟ قلت : بل ) تزوّجت ( ثيبًا ) وفي بعض الأصول ، قلت : لا بل ثيبًا بزيادة لا وعليه شرح في المصابيح ثم قال : فإن قلت : قول جابر لا بل ثيبًا ما وجهه ولم يتقدم له شيء يضرب عنه ؟ وأجاب بأن معناه لِمَ لا تزوجت بكرًا وأضرب عنه وزاد لا توكيدًا لتقرير ما قبلها من النفي فقال لا بل ثيبًا انتهى . ( قال ) عليه الصلاة والسلام ( فهلا ) تزوجت ( جارية ) بكرًا ( تلاعبها وتلاعبك . قال ) جابر : ( فلما قدمنا ذهبنا لندخل ) المدينة ( فقال ) عليه الصلاة والسلام ( أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا أي عشاءً ) وهذا محمول على بلوغ خبرهم بالوصول فاستعدوا ليجمع بينه وبين النهي عن الطرق ليلًا . ( لكي تمتشط الشعثة ) بالمثلثة المنتشرة الشعر المغبرة الرأس ( وتستحدّ المغيبة ) بضم الميم وكسر المعجمة أي تستعمل الحديدة وهي الموسى في إزالة الشعر المشروع إزالته من غاب عنها زوجها . ( قال ) أي هشيم كما قاله الإسماعيلي ( وحدّثني ) بالإفراد ( الثقة ) قال الكرماني : لم يصرح باسمه لأنه لعله نسيه وليس الجهل باسمه قادحًا لتصريحه بكونه ثقة ( أنه قال في هذا الحديث . الكيس الكيس ) بالتكرار مرتين والنصب على الإغراء أي فعليك بالجماع أو التحذير أي إياك والعجز عن الجماع ( يا جابر ) قال البخاري : ( يعني ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله الكيس ( الولد ) فالمراد الحث على ابتغاء الولد يقال : أكيس الرجل إذا ولد له أولاد أكياس . وقال ابن الأعرابي : الكيس العقل كأنه جعل طلب الولد عقلًا ، وفي رواية محمد بن إسحاق عند ابن خزيمة في صحيحه : فإذا قدمت فاعمل عملًا كيسًا وفيه